«لا تعقّدها»

*كاتب وباحث

عبدالله سعيد الحبسي

في إحدى المنشآت، شهدت موقفاً لايزال عالقاً في ذهني. وصل أحد العاملين إلى البوابة دون تصريح دخول ساري المفعول. قيل لموظف الأمن إن التصريح سيصدر بعد ساعات، لكنه تمسك بالإجراء ورفض السماح بالدخول. استمر النقاش، وتدخل موظف آخر قائلاً إن الرجل معروف وسبق له دخول الموقع. وفي النهاية سُمح له بالدخول مع حمولة كانت برفقته.

لم يقع حادث، وربما اعتبر البعض أن المسألة انتهت بسلام. لكن ما أقلقني لم يكن الشخص نفسه، بل الطريقة التي أصبح بها الإجراء قابلاً للتفاوض. فالذي دخل اليوم بحجة أنه معروف، قد يدخل غداً بحجة أنه دخل بالأمس. وهكذا تتحول المجاملة إلى سابقة، والسابقة إلى عادة لا يجرؤ أحد على الاعتراض عليها.

في مواقف أخرى، رأيت كيف يمكن أن تُستخدم المكانة الوظيفية أو نبرة الصوت للضغط على رجل الأمن. والمفارقة أن الموظف الذي يؤدي واجبه قد يجد نفسه مطالباً بتبرير رفضه، بينما يُعفى طالب الدخول من إثبات أحقيته. عندها لا تعود البوابة نقطة تحقق، بل تصبح ساحة تفاوض.

لست ضد الاستثناءات عندما تفرضها ظروف العمل، لكن الاستثناء الصحيح له مسؤول مخوّل يجيزه، وسبب واضح، وتوثيق يحدد مدته ونطاقه. أما عبارة «نحن نعرفه» فلا تصلح بديلاً عن تصريح ساري المفعول، مهما كانت مكانة صاحبها.

المسؤولية هنا لا تقع على رجل الأمن وحده. على المؤسسة أن تحمي قراره حين يطبق التعليمات، وألّا تتركه وحيداً أمام ضغط الزملاء أو المسؤولين. فما فائدة الأنظمة والكاميرات إذا كان الالتزام بها يتراجع عند أول اعتراض؟

أحياناً لا تبدأ الثغرة الأمنية بعطل تقني أو هجوم معقد، بل بجملة عابرة تُقال عند البوابة: «لا تعقّدها». وحين تصبح هذه الجملة أقوى من الإجراء، فالمشكلة لم تعد في البوابة، بل في ثقافة المؤسسة.

A.S.Alhebsi@

 

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

تويتر